الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
419
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من الولد ولا من الأم ، وكذا : استنجحت اللّه سعيي ، إذ لا يطلب من اللّه إلّا إنجاح السعي ، ولا معنى لطلب نجاح اللّه ، فبقطع النظر عن كون الفعل تعدى إلى مفعولين ، أو إلى الثاني بحذف الحرف ، نرى أنه لا معنى لتسلط الطلب على الفعل هنا أصلا ، على أنه لولا هذا الاعتبار ، لتعذر طلب وقوع الفعل المتعدي بالسين والتاء ، وهو قد يطلب حصوله فما أوردوه على « الكشاف » : من أن حروف الزيادة إنما تدخل على المجرد لا المزيد مدفوع بأن حروف الزيادة إذا تكررت ، وكانت لمعان مختلفة جاز اعتبار بعضها داخلا بعد بعض ، وإن كان مدخولها كلّها هو الفعل المجرد . وقد دل قوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ على أنه ليس المراد بقوله يُرْضِعْنَ تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات ، بل المقصود تحديد مدة الإرضاع وواجبات المرضع على الأب ، وأما إرضاع الأمهات فموكول إلى ما تعارفه الناس ، فالمرأة التي في العصمة ، إذا كان مثلها يرضع ، يعتبر إرضاعها أولادها من حقوق الزوج عليها في العصمة ، إذ العرف كالشرط ، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها ، فلا ترضع له إلّا باختيارها . ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب ، مثل عجز المرأة في العصمة عن الإرضاع لمرض ، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها ، إذا كانت مطلقة بحيث يخشى عليه ، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر ، قد علم الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع ، فلم يكن له عليها حق الإرضاع . هذا قول مالك ، إذ العرف كالشرط ، وقد كان ذلك عرفا من قبل الإسلام وتقرر في الإسلام ، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول : أن مالكا خصص عموم الوالدات بغير ذوات القدر ، وأن المخصص هو العرف ، وكنا نتابعهم على ذلك ولكني الآن لا أرى ذلك متجها ولا أرى مالكا عمد إلى التخصيص أصلا ، لأن الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع ، كما تقدم . وقوله : إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن . فالمراد بما آتيتم : الأجر ، ومعنى آتى في الأصل دفع ؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل ، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفا للمستقبل مضمنا معنى الشرط ، لم يلتئم أن يكون مع فعل آتَيْتُمْ الماضي . وتأول في « الكشاف » آتَيْتُمْ بمعنى : أردتم إيتاءه ، كقوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] تبعا لقوله : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ ، والمعنى : إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف ، دون إجحاف ولا مطل .